وَلأَِنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى عَلاَمَتِهِ، وَهِيَ هُنَا التَّحَيُّزُ وَالتَّهَيُّؤُ، فَلَوِ انْتَظَرْنَا حَقِيقَةَ قِتَالِهِمْ لَصَارَ ذَرِيعَةً لِتَقْوِيَتِهِمْ. فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الإِْمَارَةِ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّهِمْ؛ وَلأَِنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ صَارُوا عُصَاةً فَجَازَ قِتَالُهُمْ، إِلَى أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ. وَمَا نُقِل عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْخَوَارِجِ لَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا مَعْنَاهُ: حَتَّى تَعْزِمُوا عَلَى قِتَالِنَا. وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَل ذَلِكَ، وَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِأَهْوَنَ مِنْهُ (١) .
وَإِلَى الْقَوْل بِحِل بَدْئِهِمْ بِالْقِتَال اتَّجَهَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ، جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: إِنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِالْقِتَال، فَإِنْ رَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ تَرَكَهُمْ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ قِتَالُهُمْ إِنْ كَانَ قَادِرًا؛ لإِِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ (٢) .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: نَقَل الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لاَ يَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال حَتَّى يَبْدَءُوهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْكَاسَانِيُّ وَالْكَمَال. قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، لاَ لِشَرِّ شِرْكِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَمَا لَمْ يَتَوَجَّهِ الشَّرُّ مِنْهُمْ لاَ يُقَاتِلُهُمُ الإِْمَامُ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ قِتَال الْمُسْلِمِ إِلاَّ دَفْعًا، بِخِلاَفِ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّ
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٩٤، والفتح ٤ / ٤١١.(٢) كشاف القناع ٦ / ١٦٢، وانظر المغني ٨ / ١٠٨.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.