وقيل: إنه بلغ الحاكم أنه كان يقول: لو كنت بمصر لعملت في النيل عملا يحصل به النفع في كل حال من حالاته من زيادة ونقص. فاستدعاه ومشى إليه، فلم يجد أنه يتم له ما أراده، فعاد خجلا واعتذر إلى الحاكم بما قبل منه ظاهره، ثم إنه ولاه بعض الدواوين، فوليها رهبة لا رغبة، ثم تحقّق غلطه إذ قيل لكثرة استحالة الحاكم وإقدامه على سفك الدماء، فلم يجد طريقا إلا معاودة الجنون، فاحتيط على موجوده (١) وقيّد، ووكّل به من يخدمه ويقوم بمصالحه، فلما مات الحاكم أظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه، وأعيد عليه ماله، فاستوطن قبة على باب جامع الأزهر ملازما وظائف الاشتغال والإفادة والتصنيف حتى مات.
ومنهم:
١٧٥ - علي بن رضوان (١٣)
رجل كان جمال إيوان، وكمال ديوان، ورئيس قوم، ورأس ذكر باق إلى اليوم، طالما أخليت له المجالس، وخليت الصدور له ولمن يجالس، فطال في الدولة الفاطمية ذيلا، ومال به الدهر ميلا، وحصّل من أولئك الكرام المرام، وبلغ لديهم غاية الاحترام، وفضائله تقول: هل من مزيد، وتتدفق فوق بردى ويزيد، حتى آن
(١): أي حجر عليه لفساد عقله. (١٣) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي ١١/ ١٧٠ - ١٧٢، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٥٦١ - ٥٦٧، وتاريخ مختصر الدول لابن العبري ٣٣١ - ٣٣٤، وتاريخ الحكماء للقفطي ٤٤٣ - ٤٤٤، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٥/ ٦٩، وكشف الظنون لحاجي خليفة ١٥٩٦، وهدية العارفين للبغدادي ١/ ٦٩٠، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ٧/ ٩٤، وموسوعة علماء الطب لهيكل نعمة الله ٢٠٥ برقم ٢٤٣.