﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٧] ذِكْرُ قَولِ بَعْضِ السَّلَفِ: "هُوَ كَقَولِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا".
قُلْتُ: وَلَيسَ مِنْ هَذَا وَصْفُ الرِّيحِ بِمَا فِيهَا مِنْ صِفَاتٍ -أَي: مِنْ جِهَةِ الشِّدَّةِ وَاللُّطْفِ وَالتَّدْمِيرِ مَثَلًا-، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يُونُس: ٢٢]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحَاقَّة: ٦]، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي بَابِ: مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ (١).
- قَولُهُ: ((مِنْ خَيرِ هَذِهِ الرِّيحِ)) الرِّيحُ نَفْسُهَا فِيهَا خَيرٌ وَفِيهَا شَرٌّ، فَقَدْ تَكُونُ عَاصِفَةً تَقْلَعُ الأَشْجَارَ، وَتَهْدِمُ الدِّيَارَ، وَتُفِيضُ البِحَارَ وَالأَنْهَارِ، وَقَدْ تَكُونُ هَادِئَةً تُبْرِدُ الجَوَّ وَتُكْسِبُ النَّشَاطَ.
- قَولُهُ: ((وَخِيرِ مَا فِيهَا)) أَي: مَا تَحْمِلُهُ، لِأَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ خَيرًا؛ كَتَلْقِيحِ النَّبَاتِ، وَقَدْ تَحْمِلُ رَائِحَةً طَيِّبَةَ الشَّمِّ، وَقَدْ تَحْمِلُ شَرًّا، كَإِزَالَةِ لِقَاحِ النَّبَاتِ، وَأَمْرَاضٍ تَضُرُّ الإِنْسَانَ وَالبَهَائِمَ.
- قَولُهُ: ((وَخَيرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ)) أَي: مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ لَهَا.
قُلْتُ: فِي تَوجِيهِ الفَرْقِ بَينَ الجُمْلَةِ الأُولَى وَالثَّالِثَةِ: أَنَّ الخَيرَ فِي الجُمْلَةِ الأُولَى هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا تَقُومُ بِهِ الرِّيحُ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ الخَيرِ فِيهَا مَآلًا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(١) قُلْتُ: وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَينَ الدَّهْرِ وَالرِّيحِ؛ هُوَ أَنَّ الرَّيحَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ مُطِيعٌ للهِ تَعَالَى لَهُ اخْتِيَارٌ بِنَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الطَّاعَةِ، أَمَّا الدَّهْرُ فَهُوَ ظَرْفٌ لِمَا يَحَلُّ فِيهِ مِنَ الحَوَادِثِ؛ فَهُوَ لَيسَ عَينًا! وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.