بِذَاتِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ (١)، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُهَيِّئُ مِنَ الأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ أَوِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُمَكِّنُ المَخْلُوقَ مِنَ الاطِّلَاعِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ، وَلَهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ (٢).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَالجِنُّ غَايَتُهَا أَنْ تُخْبِرَ بِبَعْضِ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، كَالَّذِي يَسْتَرِقُهُ الجِنُّ مِن السَّمَاءِ -مَع مَا فِي الجِنِّ مِن الكَذِبِ؛ فَلَا بُدَّ لَهُم مِن الكَذِبِ-، وَالَّذِي يُخْبِرُون بِهِ هُوَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالمَنَامَاتِ وَغَيرِ المَنَامَاتِ؛ فَهُوَ مِن جِنْسِ المُعْتَادِ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا مَا يُخْبِرُ الرُّسُلُ مِن الأُمُورِ البَعِيدَةِ الكَبِيرَةِ مُفَصَّلًا؛ مِثْلِ إِخْبَارِه: ((إِنَّكُم تُقَاتِلُون التُّرْكَ، صِغَارُ الأَعْيُنِ، ذُلْفُ الآنُفِ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ
(١) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٤٢٦).وَقَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "الغَيبُ: مَا غَابَ عَنِ الحِسِّ؛ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيهِ عِلْمٌ يَهْتَدِي بِهِ الفِعْلُ فَيَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ". التَّوقِيفُ عَلَى مُهِمَّاتِ التَّعَارِيفِ (ص ٢٥٤).(٢) فَالقَدَرِيَّةُ مِنْهَا: هُوَ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ؛ كَبَعْضِ المُخْتَرَعَاتِ الحَدِيثَةِ الَّتِي قَدَّرَ اللهُ المَخْلُوقَ عَلَى صُنْعِهَا: كَالهَاتِفِ (لِعِلْمِ الحَاضِرِ)، وَالتَّصْوِيرِ الشُّعَاعِيِّ (لِعِلْمِ المُسْتَقْبَلِ مِنْ وُقُوعِ الحَمْلِ)، وَالتَّحْلِيلِ المَخْبَرِيِّ لِلمُستَحَاثَّاتِ وَغَيرِهَا (لِعِلْمِ المَاضِي)، وَكتَمْكِينِهِ تَعَالَى لِلجِنِّ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَإِخْبَارِهِم أَولِيَاءَهُم مِنَ الكُهَّانِ.وَأَيضًا الرُّؤْيَا فِي المَنَامِ -وَهِيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى-، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ الوَعِيدُ عَلَى مَنْ أَرَى نَفْسَهُ مَا لَمْ يَرَ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: ((مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ؛ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَينَ شَعِيرَتَينِ وَلَنْ يَفْعَلَ)). البُخَارِيُّ (٧٠٤٢) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ مِنْهَا: فَتَكُونُ وُفْقَ مَا دَلَّتْ عَلَيهِ النُّصُوصُ، فَعُلِمَ بِهَا أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ مَوجُودَتَانِ (لِعِلْمِ الحَاضِرِ)، وَمَرَاحِلُ تَكوُّنِ الجَنِينِ (لِعِلْمِ الحَاضِرِ أَيضًا)، وَيَومُ القِيَامَةِ وَمَا سَيَكُونُ فِيهِ (لِعِلْمِ المُسْتَقْبَلِ)، وَقِصَّةُ مَرْيَمَ ﵍ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ (لِعِلْمِ المَاضِي).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.