فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْإِهْلَالُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَأَمَّا الصَّبْغُ بِالصُّفْرَةِ فَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّزَعْفُرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ تُصَفِّرُ بِالْوَرْسِ وَأَمَّا لُبْسُ النِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ هُنَا، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ مَالِكٍ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: السِّبْتِيَّةُ الَّتِي دُبِغَتْ بِالْقَرَظِ وَهِيَ الَّتِي سُبِّتَ مَا عَلَيْهَا مِنْ شَعْرٍ أَيْ حُلِقَ، قَالَ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الشَّعْرَ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الدِّبَاغُ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي لِبَاسِ النَّبِيِّ ﷺ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَمَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ لُبْسِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ لُبْسُهَا فِي الْمَقَابِرِ لِحَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِرِ عَلَي نَعْلَانِ إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ خَلْفِي: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ إِذَا كُنْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخَلْعِهِمَا لِأَذًى فِيهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ النِّعَالِ فِي الْمَقَابِرِ، قَالَ: وَثَبَتَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي نَعْلَيْهِ،
قَالَ: فَإِذَا جَازَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالنَّعْلِ فَالْمَقْبَرَةُ أَوْلَى. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِإِكْرَامِ الْمَيِّتِ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ السِّبْتِيَّتَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَلِ اتَّفَقَ ذَلِكَ وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَشْيِ عَلَى الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ، وَفِيهِ ذِكْرُ النَّعْلَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ لُبْسِ النَّعْلِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ، أَيْ أنَّهُ شَبِيهٌ بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّةِ الْمَشَقَّةِ وَقِلَّةِ التَّعَبِ وَسَلَامَةِ الرِّجْلِ مِنْ أَذَى الطَّرِيقِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا كَلَامٌ بَلِيغٌ وَلَفْظٌ فَصِيحٌ بِحَيْثُ لَا يُنْسَجُ عَلَى مِنْوَالِهِ وَلَا يُؤْتَى بِمِثَالِهِ، وَهُوَ إِرْشَادٌ إِلَى الْمَصْلَحَةِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى مَا يُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ، فَإِنَّ الْحَافِيَ الْمُدِيمَ لِلْمَشْيِ يَلْقَى مِنَ الْآلَامِ وَالْمَشَقَّةِ بِالْعِثَارِ وَغَيْرِهِ مَا يَقْطَعُهُ عَنِ الْمَشْيِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مَقْصُودِهِ كَالرَّاكِبِ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِهِ.
٣٨ - بَاب يَبْدَأُ بِالنَّعْلِ الْيُمْنَى
٥٨٥٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ يُبْدَأُ بِالنَّعْلِ الْيُمْنَى) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تُرْجِمَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٩ - بَاب لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ
٥٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّ النَّعْلَ شُرِعَتْ لِوِقَايَةِ الرِّجْلِ عَمَّا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِذَا انْفَرَدَتْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.