[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي ذِكْرِ الدِّيَاتِ بَعْدَ الْجِنَايَاتِ كَوْنُ الدِّيَةِ إحْدَى مُوجِبَيْ الْجِنَايَةِ الْمَشْرُوعَيْنِ لِلصِّيَانَةِ وَلَمَّا كَانَ الْقِصَاصُ أَشَدَّ صِيَانَةً قُدِّمَ مُوجِبُهُ وَالدِّيَاتُ جَمْعُ دِيَةٍ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَدَى الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ إذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ قَالَ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ بِأَخِي جَلْبِي: ثُمَّ قِيلَ لِذَلِكَ الْمَالِ دِيَةٌ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ وَوَاوُهَا مَحْذُوفَةٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ (الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ مِنْ الْإِبِلِ مِائَةٌ أَرْبَاعًا) يَعْنِي أَنَّ الدِّيَةَ الْمُغَلَّظَةَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ تَكُونُ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ بَيْنَهَا بِقَوْلِهِ (بَنَاتُ مَخَاضٍ وَبَنَاتُ لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ) قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الْكُلِّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ (مِنْ كُلٍّ) أَيْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) فَيَكُونُ جُمْلَتُهَا مِائَةً هَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (ثَلَاثُونَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً) قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ أَيْضًا (كُلُّهَا) أَيْ كُلُّ الثَّنِيَّاتِ (خَلِفَاتٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَالْفَاءِ جَمْعُ خِلْفَةٍ وَهِيَ الْحَامِلُ مِنْ النُّوقِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ تَغْلِيظَ الدِّيَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّغْلِيظِ فَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا ذُكِرَ ثَانِيًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إلَّا أَنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» وَلِأَنَّ دِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ أَغْلَظُ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ وَدَلِيلُ الشَّيْخَيْنِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ هَذَا وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ غَيْرُ ثَابِتٍ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَا وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: تَجِبُ أَثْلَاثًا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ خَلِفَةً وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلَ مَا قُلْنَا وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي الْمَقَادِيرِ فَكَانَ كَالْمَرْفُوعِ وَصَارَ مُعَارِضًا بِمَا رَوَيَاهُ وَإِذَا تَعَارَضَا كَانَ الْأَخْذُ بِالْأَدْنَى وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ أَوْلَى.
وَفِي النِّهَايَةِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ احْتَجَّا بِحَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَاعًا» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْخَطَأَ لِأَنَّهَا فِي الْخَطَأِ تَجِبُ أَخْمَاسًا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شِبْهُ الْعَمْدِ عَلَى أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَالْمُرَادُ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.