والقدر كما جرى بالمعصية جرى كذلك بعقابها، كما يقدر على العبد أمراضًا تُعقبه الألم، فالمرض بقدره، والألم بقدره، والعافية بقدره، فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض: قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم ولا أتعالج.
وهذا مع أنه جهل وسفه فإنه لا ينفع صاحبه، بل اعتلاله بالقدر ذنب ثانٍ يعاقب عليه؛ لأنه أذنب وكذب على الله، وإنما احتج بالقدر إبليس، وأما آدم فتاب، فتاب الله عليه.
فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم ﷺ وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
ومن أراد الله شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها، فأبى واستكبر وكفر، كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فالقدر نؤمن به ولا نحتج به، ومن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا لقُبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد على أفعالهم لم يعذب الله أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ولو كان القدر حجة لم تقطع يد السارق، ولا قتل قاتل، ولا حُد شارب، ولا أقيم حد، ولا جاهد أحد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف أحد، ولا نهى عن المنكر أحد.
والله سبحانه علم الأمور وكتبها على ما هي عليه.
الله سبحانه عليمُ بكل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون؛ لأنه وحده عالم الغيب والشهادة، فالله سبحانه علم الأمور كلها وكتبها على ما هي عليه، فتقع كما شاء وكما أراد، فهو جل وعلا قد كتب أن فلانًا يؤمن