بعد ذلك في المدينة، ليتأثر الناس بالداعي إلى الله، ويتبعوه، ويؤمنوا به، كما حصل للنبي ﷺ في المدينة من النصر والتمكين في الأرض، وذلك لئلا يكون فتنةً بكثرة الابتلاء بالمكاره، كما أعطى الله ﷿ يوسف ﵇ المُلكَ بعد الشدائد السابقة من إلقائه في الجُب، وسجنه في مصر، فالله ﷿ يُعقب الأحوال المخالفة للداعي بالأحوال المحبوبة: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
وأعمال الهداية هي:
الدعوة إلى الله، والعبادة، والتعليم، ومكارم الأخلاق، وتلك كانت موجودة في مكة في بيت خديجة ﵂، وفي دار الأرقم، أما في المدينة فكانت موجودةً في المسجد بعد بنائِه.
والفرق بين المسجد والبيت أن المسجد بُني لتكون بيئة الدين مفتوحةً عالميةً لكل أحد، في كل وقت، لتقوم الحجة على كل أحد، أما البيت فهو بيئة خاصة لأهل البيت؛ والرجل يأتي بفكر أهل المسجد إلى بيته، ونبينا ﷺ وُفِّق لبناء المسجد، ودعوة الناس لإقامة الأعمال فيه؛ من الصلاة، والتعليم، والشورى، وغيرها من الأعمال الصالحة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
والله ﷿ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة.