ألا ما أجهل الإنسان بربه، وما أقل شكره لمولاه، إن أقل رزق يرزقه الله الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجراماً عظيمة لا يعلمها إلا الله حتى يصل إليه هذا الرزق وينضج ثم يوضع بين يديه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فمثل ذلك الإنسان كيف هو محمولٌ مكفولٌ من ربه، وكيف ربه الغني عن العالمين يحتفي به ويتودد إليه ويتحنن إليه بنعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وكيف يعطيه ربه من كل ما سأل من مالٍ وذرية وصحة وغنى وزينة ومتاع: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
أفيليق بهذا الإنسان بعد رؤية هذه الآيات العظمى ألا يؤمن بالله، وبعد رؤية هذه النعم الكبرى ألا يشكر ربه، وبعد رؤية هذه وهذه أن يبدل نعمة الله كفرًا، وبعد ذلك كله أيليق به أن يجعل لله نداً يعبده من دون الله، والله ينزل عليه النعم آناء الليل وآناء النهار: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
حقاً إن الإنسان ظلومُ جهولُ كفار، خاصة إذا لم يهتدي بوحي السماء ولم يؤمن بما جاء به الأنبياء، إن المؤمن حين ينظر في ملكوت السموات والأرض ويتأمل ويتدبر ما فيهما من آيات وعجائب يرتجف فؤاده ويخشع