ومن ثم أخرج سبحانه الرزق من دائرة الصلاح والطلاح، ومن دائرة الإيمان والكفر، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة، واستعداد الأفراد وجعله فتنة وابتلاءً يجزي عليهما الناس يوم الجزاء، ثم جعل سبحانه الدنيا حرثًا والآخرة حرثًا يختار المرء منهما ما يشاء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].
فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه وزاده الله له في حرثه وبارك له في عمله، وكان له مع حرث الآخرة رزقٌ مكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئاً ولا مثقال ذرة، ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه الله من عرض الدنيا رزقه المكتوب له لا يُحرم منه شيئاً.
لكن ليس له في الآخرة من نصيب فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئاً ينتظر عليه ذلك التنصيب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٢].
فاللهم فقهنا في الدين واجعلنا هداه مهتدين، وما أحمق الذين يريدون حرث الدنيا فقط فالله بفضله يمد هؤلاء وهؤلاء، ولكل إنسان نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له بعلم الله، ثم يبقى حرث الآخرة خالصاً لمن أراده وعمل فيه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].