فكتاب الله ﷿ فيه تبيان كل شيء، يُلمس بمثل هذه الحقائق الكبرى قلوب البشر لأن الحقيقة حين تُجلى أفعل في النفس، ولأن الله هو الحق وبالحق أنزل كتبه وأرسل رسله، فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يُقنع إلى بالحق، ولا يعرض إلا الحق، ولا يشير ويوصي بغير الحق، فما أحوجنا إلى تدبر القرآن بنور الإيمان: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
والله ﷿ لطيفٌ بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وهو الغني المالك لذلك القادر عليه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [الشورى: ١٩].
فجميع الأرزاق تخرج من خزائنه إلى جميع خلقه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والبشر أعجز من إن يرزقوا أنفسهم شيئًا، وقد وهبهم الله الحياة وكفل لهم أسبابها الأولية، ولو منع الله رزقه عن الكافر والفاسد ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى، ولما تحققت الحكمة من إحيائهم وإعطائهم الفرصة أن يؤمنوا أو يكفروا، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
فالناس في الدنيا إما أن يؤمنوا أو يكفروا، والله ابتلاهم ليعملوا في الحياة الدنيا ما يُحسب لهم في الآخرة أو عليهم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].