كما شق الله ﷿ للإنسان العينين ليبصر بهما، كذلك شق له سبحانه الأذنين ليسمع بها الأصوات، وخلق الأذن أحسن خلقة، فجعلها مجوفة كالصدفة، لتجمع الصوت فتؤديه إلى الصماخ، وليحس بدبيب الحشرات فيها فيبادر إلى إخراجه والتخلص منه، وجعل في الأذن تجاويف واعوجاج تمسك الهواء والصوت الداخل، فتكسر حدته ثم تؤديه إلى الصماخ.
وجعل الحكيم العليم ماء الأذن مرًا في غاية المرارة، فلا يجاوزه الحيوان إلى باطن الأذن، بل إذا وصل إليه أعمل الحيلة في رجوعه عنه، فسبحان الخلاق العليم، وجعل ماء الفم عذبًا حلوًا، ليدرك به طعوم الأشياء على ما هي عليه، إذ لو كان على غير هذه الصفة لأحالها إلى طبيعته، وجعل سبحانه ماء العين مالحًا ليحفظها، فهي شحمةٌ قابلةٌ للفساد، فكانت ملوحة مائها صيانةً لها وحفظًا، فسبحان من خلق هذه المياه وجعل كلًا فيما يناسبه ويصلح له.
ونصب سبحانه للإنسان قصبة الأنف في الوجه، فأحسن شكله وهيئته، وفتح فيه المنخرين، وحجز بينهما بحاجز، وأودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها أنواع الروائح الطيبة والخبيثة، والنافعة والضارة، ويستنشق بها الإنسان الهواء فيوصله إلى القلب، فيتروح به ويتغذى.
فسبحان ربنا الخلاق العليم، وجعله سبحانه مستقيمًا لئلا يمسك الرائحة، مصبًا تنحدر إليه فضلات الدماغ، فتجتمع فيه ثم تخرج منه، فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، وما أعظم قدرته، وجعل أعلى الأنف أدق من أسفله