للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأن أسفله تجتمع فيه الفضلات فكان واسعًا لتخرج منه بسهولة، ولأنه يأخذ من الهواء ملئه ثم يصعد في مجراه قليلًا قليلًا، حتى يصل إلى القلب في هدوء.

ثم فصل بين المنخرين بحاجزٍ بينهما حكمةً منه ورحمة، لأنه مجرى النفس ومنحدر فضلات الرأس، فيكون أحدهما غالبًا للنفس، والآخر لخروج الفضلات، وإما أن تجري الفضلات فيهما فينقسم، فلا يفسد الأنف جملةً، بل يبقى فيه مدخلٌ للنفس، ربما أصيب أحدهما فيبقى الثاني يؤدي وظيفته، فاقتضت الحكمة تعدادهما كالأذنين والعينين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)[المؤمنون: ١٤].

وشق سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليَقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والقطع والطحن والكلام ما يبهر العقول عجائبه، فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه، وجعله ترجمانًا لملك الأعضاء وهو القلب مبينًا مؤديًا عنه، كما جعل الأذن رسولًا مؤديًا إليه العلوم والأخبار، والعين رسولًا مؤديًا إليه المرئيات والمبصَرات، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد.

وانظر إلى حكمة العليم الحكيم الذي جعل اللسان محفوظًا مستورًا غير مكشوف كالأذن والأنف، لأن هذه الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه جُعلت بارزةً ظاهرة، ولما كان اللسان مؤديًا من القلب إلى الخارج جعله مستورًا لعدم الفائدة إبرازه.

<<  <  ج: ص:  >  >>