وأيضًا لما كان اللسان أشرف الأعضاء بعد القلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره، ضُرب عليه سرادقان لستره وصيانته وحفظه، أحدهما الأسنان، والآخر الشفتان، وجُعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر. وأيضًا هو من ألطف الأعضاء وألينها وأشدها رطوبة، وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان باردًا صار عرضةً للحرارة واليبوسة المانعة له من التصرف وسهولة الحركة والكلام.
ثم زين سبحانه الفم وزينه بالأسنان، وجعلها بيضاء مصفوفة، فزادته جمالًا، وجعل بها قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها آلة القطع، وبعضها آلة الكسر، وبعضها آلة للطحن، وأحكم سبحانه أصولها وحدد رؤوسها وبيض لونها ورتب صفوفها، فكأنها الدر المنظوم بياضًا وصفاءً وحسنًا.
وأحاط جل وعلا الأسنان بحائطين، وهما الشفتان، حسن شكلهما ولونهما وجعلهما غطاءً للفم وطبقًا له، وجعلهما إتمامًا لمخارج الحروف ونهايةً له، كما جعل أقصى الحلق بدايةً له، واللسان وسطًا له، ولهذا كان أكثر العمل فيها له، إذ هو الواسطة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجعل سبحانه الشفتين لحمًا صرفًا لا عظم فيه، ليتمكن بهما الإنسان من مص الشراب ويسهل عليه فتحهما وإغلاقهما، وخص سبحانه الفك الأسفل بالتحريك، لأن تحريك الأخف أيسر وأحسن، فإن الرأس يشتمل على الأعضاء الشريفة، فلم يخاطر بها في الحركة.