والقلب معدن العقل والعلم، والحلم والشجاعة، والمروءة والكرم، والصبر والحب، والرضا والغضب، والإيمان والكفر، والتقوى والفجور، وسائر صفات الكمال، وجميع الأعضاء الظاهرة والباطنة وقواها إنما هي جندٌ من أجناد القلب، فالعين طليعته ورائده الذي يكشف له المرئيات والمبصرات، والأذن رسوله المؤدي له جميع المسموعات، واللسان ترجمانه المخبر عنه، وجعل الله سبحانه الرئتين كالمروحة، تروح عليه دائمًا لأنه أكثر الأعضاء عملًا، وأشدها حرارةً، وأعظمها إدارةً وحركة.
هذا خلق الله في قطرةٍ واحدة من ماءٍ مهين، فكم خلق الله من قطرةٍ في العالم، وكم جعل في هذه القطرة من الأحياء؟
هذا في عالم الإنسان، فكم من العجائب في خلق الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات، وغيرها من المخلوقات من الجمادات والنباتات والحيوانات، والإنس والجن والملائكة، وغيرها مما لا نعلمه أو نعلم بعضه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فسبحان الخلاق العليم الذي تولى خلق هذه النطفة، وجعل منها إنسانًا سويًا سميعًا بصيرًا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٥٢)، واللفظ له، ومسلم برقم: (١٥٩٩).