للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)[غافر: ٦٢].

فما أعظم قدرة الله، وما أعظم صنعه في هذه النطفة، كيف جعلها إنسانًا، وبث منها البشرية المنتشرة على وجه الأرض، فمن هذه عظمته، وهذه نعمه، وهذا صنعه، كيف لا يعبده الإنسان ويطيعه وهو الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره؟

أما يخاف هذا الإنسان يومًا عبوسًا قمطريرًا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)[غافر: ٥٢].

إن الإنسان إذا نظر إلى غذائه في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فيه العبر والعجائب، كيف جعل الله له آلة يتناول بها، ثم بابًا يدخل منه، ثم آلةٌ تقطعه صغارًا، ثم طاحونٌ يطحنه، ثم أُعين بماء يعجنه، ثم جعل له مجرى وطريقًا إلى جانب النفَس، ينزل هذا ويصعد هذا، فإذا وصل الطعام إلى المعدة التي هي خزانته، ولها بابان، بابٌ أعلى يدخل منه الطعام، وبابٌ أسفل يخرج منه تفله.

والباب الأعلى أوسع من الأسفل، والأسفل منطبقٌ دائمًا، فإذا انتهى الهضم انفتح ذلك الباب لخروج الفضلات، وقد أحاط الله المعدة من داخلها وخارجها بحرارةٍ نارية، ربما تزيد على حرارة النار، ينضج بها الطعام فيها كما ينضج الطعام في القدر بالنار.

فإذا أذابته المعدة وطبخته على صفوه إلى فوق، ورسا كدره إلى أسفل، ومن المعدة عروقٌ متصلة بسائر البدن يُبعث فيها نصيب كل عضو وقوامه بحسب استعداده وقبوله، فيبعث ألطف ما يتولد من الغذاء وأخفه وأشرفه

<<  <  ج: ص:  >  >>