للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يُخلق للحيوان، وأقل درجاته أن يحس بما يلاصقه، وخلق الله للبعيد حسًا آخر تدرك به ما يبعد عن الإنسان.

فخلق لك الشم تدرك به الرائحة من بعد، ولكن لا تدري من أي ناحيةً جاءت الرائحة، فخلق الله لك البصر تدرك به ما بعُد عنك وتدرك جهته، فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصًا، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فقد يقصدك عدوٌ بينك وبينه حجاب، وقرُب منك قبل أن يُكشف الحجاب فتعجز عن الهرب.

فخلق الله سبحانه السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات، عند جريان الحركات، ولا يكفي ذلك لو لم يُخلق لك حس الذوق، الذي تعلم به ما يوافقك وما يضرك، وتعلم به الطعوم وأحوالها من حلوٍ وحامض، ومرٍ ومالح، وحارٍ وبارد.

ثم أكرمك الله بصفة أخرى هي أشرف من الكل، وهي العقل الذي تدرك به معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته، وعظمته وقدرته، وآلائه وإحسانه، وهذا أعلى فوائد العقل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)[محمد: ١٩].

وأدناها ما تدرك به الأطعمة وما ينفعك وما يضرك، ثم انظر إلى حكمة ربك الخلاق العليم في خلق القدرة والإرادة في الإنسان، فلو خلق لك البصر حتى ترى به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوقٌ إليه وشهوةٌ له تستحثك على القصد إليه لكان البصر معطلًا، فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له، ولا يقدر على تناوله لسقوط شهوته.

<<  <  ج: ص:  >  >>