للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بطنها، وساقه إلى تلك الخزانتين أعظم سوقٍ وألطفه، فهي بئرٌ مملوءةٌ بالحليب، تشرب منها كلما ظمئت وجعت لبنَا خالصًا سائغًا للشاربين.

تبارك الكريم الذي خلقه وصفاه وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه، ليس بالحار المؤذي ولا البارد القارس، ولا المالح، ولا الكريه الطعم والرائحة، بل هو أحسن ما يكون، وجعله في أعلى مكان ليناسب حالك، فإذا اشتهيت اللبن در لكح الثدي بإذن ربه. ولسهولة وصوله إليك جعل الله في رأس الثدي حلمة هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا يتعب بالتقامها: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)[الجاثية: ٦].

ثم نقب سبحانه في رأس الحلمة نقبًا صغيرًا يناسب حالك، لم يوسعه فتختنق باللبن، ولم يضقه فتمصه بكلفة، فسبحان من عطف قلب الأم على مولودها ووضع فيه الحنان العجيب، والرحمة الباهرة، تسهر من أجلك، وتأثرك بكل شيء وهي منقادةٌ مسرورة، حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك، واحتجت إلى طعامٍ يشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك.

أنبت في فيك آلة القطع والطحن من الأسنان والأضراس فسبحان الذي حبسها وقت الرضاعة رحمةً بك وبأمك، ثم أعطاكها أيام أكلك، رحمةً بك ولطفًا بك وبأمك، وكلما ازدادت قوة الحاجة إلى الأسنان في أكل الطعام زيد لك في تلك الأسنان شيءً فشيءً حتى تنتهي إلى النواجذ،

<<  <  ج: ص:  >  >>