طير خضر تسرح حيث تشاء وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش وهي أرواح بعض الشهداء، ومنهم أرواح نسمة طائر يعلق في أشجار الجنة، ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، ومنهم من يكون محبوسًا في الأرض لأن روحه سفلية أو أرضية، ومنها أرواحٌ تكون في تنور الزناة والزواني، ومنها أرواحٌ تسبح في نهرٍ من الدم، فمقر الأرواح مختلف، فأرواحٌ أعلى في أعلى عليين وأرواحٌ في أسفل سافلين، كلٌ بحسب عمله، والأرواح مع كونها في السماء تتصل بفناء القبر وبالبدن منه وهي أسرع شيء حركةً وانتقالًا وصعودًا وهبوطًا بعضها مرسل وبعضها محبوس.
والروحُ في جسد الإنسان بدار غربة ولها وطنٌ غيره، فلا تستقر إلا في وطنها، وقد أمرت بمساكنة هذا الوطن الكثيف وهي تحن إلى وطنها في المحل الأعلى حنين الطيور إلى أوكارها، وأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيتها في أعماق البدن واشتغالها بملاذه وانقطاعها عن ملاحظة ما خلقت له وما هيئت له وعن وطنها ومحلها ومنزل كرامتها، ولكنّ سكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الألم وهذا العذاب، فإذا صحت من سكرها تحصلت على ما فاتها من كرامة الله.
فالمؤمن في هذه الدار سبيٌ من دار الجنة والنعيم إلى دار التعب والعناء ثم ضرب عليه الرق فيها فكيف يلام على حنينه إلى دارٍ سبي منها وفرّق بينه وبين ما يحب وجمع بينه وبين عدوه، فروحه دائمًا معلقة بذلك الوطن،