للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان أفصح الخلق، وأحسنهم كلاماً، وأحلاهم منطقاً، إذا تكلم تكلم بكلام فصل مبين، يعده العاد، ليس بهذٍّ سريع لا يُحفظ، ولا منقطع تتخلله السكتات، وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليعقل عنه، كلامه جزل مؤثر، يأخذ بمجامع القلوب، ويغذي الأرواح.

وكان طويل السكوت، لا يتكلم من غير حاجة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ويتكلم بجوامع الكلم، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وكان إذا كره شيئاً عُرف في وجهه من غير أن يتكلم بشأنه، ولم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق.

وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه، وكان يضحك مما يُضحك منه، ويُتعجب من مثله.

وأما بكاؤه فلم يكن بشهيق، ورفع صوت، بل كانت عيناه تدمعان حتى تهملا، ويُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، وهي القدر التي تغلي.

وكان بكاؤه تارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن أوقراءته، وهو بكاء حب وإجلال وشوق مصاحب للخوف والخشية، وتارة يبكي خوفاً على أمته، وشفقة عليها، وتارة يبكي رحمة للمريض أو الميت، وتارة يبكي لما يرى من عظمة الله، وسعة حلمه على عباده، وتوالي نعمه على خلقه، وتارة يبكي عند استغاثته بربه، وعند شهود تقصيره بما كلفه الله به ونحو ذلك.

وكان يخطب خطبه تارة على الأرض، وتارة على المنبر، وتارة على الناقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>