والله رءوف بالعباد، والملك ملكه، والخلق خلقه، ولا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، لا يمكن أبدًا أن يترك خلقه للشياطين تعبث بهم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
فحين حرف اليهود والنصارى كتاب ربهم، وبدلوا شرائعه، وكذبوا وافتروا، وظلموا وطغوا، وجحدوا وكتموا الحق، وصدوا عن سبيل الله، وقتلوا الأنبياء والرسل، وتركوا العمل بدينهم، ونقضوا العهد، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، وقالوا على الله ورسله غير الحق، بعد هذا الظلم والعدوان، والعناد والإعراض والإفساد، اقتضت حكمة الله ورحمته بالبشرية أن يرسل رسولًا يهديها إلى الحق، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧].
فأرسل الكريم الرحمن ﷻ محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، ورسولًا إلى الناس أجمعين إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠].
فلم يكن بد من تبليغٍ عام في ختام الرسالات، يُبلّغ إلى الناس كافة، لكي لا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل، ولم يسبق أن كانت هناك رسالةً عامة، ولم يكن بدٌ من هذه الرسالة العامة.