وتعريف العبد بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة، وأن كل ما فيها من عمل أو خير فهو من الله منّ به عليه لا من نفسه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وليعلم العبد سعة حلم ربه وكرمه في ستره عليه، فإنه لو شاء لعاجله على الذنب، ولهتكه بين عباده فلم يصفو له معهم عيش؛ وليعلم أنه لا طريق إلى الجنة إلا بعفو ربه ومغفرته وإظهار كرمه في قبول توبته، ومغفرته له، على ظلمه وإساءته، وإقامة الحجة عليه، فإن عذبه فبعدله، وإن أكرمه فبفضله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
والعبد إذا شهد إساءته وظلمه ومعاصيه استكثر القليل من نعم الله عليه، لعلمه بأن الواصل إليه منها كثيرٌ علي مسيء مثله، فهو دائمًا مستقلٌ لعمله كائنًا ما كان، والذنب يوجب للعبد اليقظة والحذر من مصائد عدوه ومكائده: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقد يكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءها، فيمن الله عليه ويقضي عليه بالذنب، فيجد آلام مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها.
وبالذنب يذيقه ﷻ ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب؛ ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه وقام بطاعته، فتكون لذته بذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة ارتواء الظمآن بالماء العذب الزلال، وأن لطف الرب وبره وإحسانه بعبده ليبلغ أكثر من هذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].