وهذه عقوبة خلو القلب، وفراغه من الإيمان، والإخلاص، والإنابة العاصمة من ضدها، وإخلاص الدين يمنع من سلطان الشيطان، وإخلاص القلب لله مانع له من فعل ما نهى الله عنه، وإلهام البر والتقوى ثمرة الإخلاص، وإلهام الفجور عقوبة خلوه من الإخلاص: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
ولله سبحانه عقوبتان:
إحداهما: جعل العبد خاطئًا مُذنبًا لا يحس بألم العقوبة ومضرتها، لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات.
الثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعل السيئات، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
فالعقوبة الثانية ترتبت على الأولى، لكن العقوبة الأولى موافقة لهوى العبد وإرادته، فلهذا لا يشعر بها، والثانية مخالفة لما يحبه ويلتذ به، ولذلك يتألم بها.
والله سبحانه حكيم عليم، إنما وضع العقوبة في محلها الأولى بها، الذي لا يليق بها غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ومن يستحق الكرامة، ومن يستحق الإهانة، والإخلاص لله، والمحبة له، والإنابة إليه، محض منته وفضله على عباده، وهو من أعظم الخير الذي في يده، فالخير كله في يديه، لا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه الله، ولا يتقي من الشر إلا