وليس الموت هو النهاية، إنما هو فراق لمحاب الدنيا، وقدوم على الله تعالى، فالقدر الذي لابد منه للحياة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة، لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة، وإن أخذه لحظ نفسه، وعلى قصد التنعم، صار من أبناء الدنيا، والراغبين في حظوظها.
والرغبة في حظوظ الدنيا قسمان:
الأول: ما يُعرض صاحبه لعذاب الآخرة، ويسمى ذلك حرامًا.
الثاني: ما يحول بين العبد، وبين الدرجات العلى، ويُعرضه لطول الحساب، ويسمى ذلك حلالًا.
فالدنيا حلالها حساب، وحرامها عذاب، ومن نوقش الحساب هلك.
عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال:«مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، قَالَتْ: قُلْتُ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قَالَ: ذَلِكِ الْعَرْضُ». متفق عليه (١).
والدنيا قليلها وكثيرها، وحلالها وحرامها، كل ذلك مذموم إلا ما أعان على تقوى الله وطاعته مما أمر الله ورسوله به، وكل من كانت معرفته أقوى كان حذره من نعيم الدنيا أشد، ولهذا زوى الله كل ما يشغل عن الآخرة من اللذات والشهوات، عن الأنبياء والمرسلين، والأولياء والمتقين، ليتفرغوا للأعمال الصالحة، وسلط عليهم البلاء والمحن، كل ذلك امتنانًا عليهم،
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٦٥٣٦)، واللفظ له، ومسلم برقم: (٧٩/ ٢٨٧٦).