للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذه هي أعيان الدنيا السبع، ولها مع العبد علاقتان:

الأولى: علاقة الأعيان مع القلب، وهو حبه لها، وحظه منها، وانصراف همه إليها، حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذا جميع صفات القلب الباطنة كالكبر، والرياء، والعُجب، وحب الثناء، وحب التكاثر، وحب التفاخر، وهذه هي الدنيا الباطنة.

وأما الدنيا الظاهرة فهي الأعيان المذكورة.

الثانية: علاقة الأعيان مع البدن، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان، لتصلح حظوظه، وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي يشتغل بها الخلق.

والخلق إنما نسوا أنفسهم، ومآبهم، ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بحب الدنيا، وعلاقة البدن بالشغل فيها، ولو عرف العبد نفسه، وعرف ربه، وعرف حكمة الدنيا وسرها، وعرف حكمة الآخرة ونعيمها، علم أن هذه الأعيان التي تسمى دنيا لم تُخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى، والدابة البدن، فإنه لا يبقى ليعمل إلا بمطعمٍ، ومشرب، وملبس، ومسكن، كما لا يبقى ولا يسير الجمل إلا بعلفٍ وماء، والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي، فيتعهده، وقلبه معلق بالكعبة والحج، فكذلك البصير في السفر إلى الآخرة، لا يشتغل بتعهد البدن، بل يشتغل بالعمل الموصل إلى الله، مع العناية بالبدن الذي لا يتم العمل إلا بسلامته: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)[الأعراف: ٣٢].

<<  <  ج: ص:  >  >>