والدنيا هي وما فيها ليست دارًا للعباد، وإنما أسكنهم الله فيها، واستخلفهم فيها، إلى أجل مسمى، لينظر كيف يعملون، وابتلاهم بما فيها من الشهوات، ليعلم من يقدم أوامر ربه على شهوات نفسه، ومن يطيع الرحمن ممن يطيع الشيطان، ومن يشتغل بجمع الحسنات ممن يشتغل بالاستكثار من الأموال والسيئات، ومن يعمر أخراه ممن يعمر دنياه، وممن يتبع الهُدى ممن يتبع الهوى كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
والجمع بين تحصيل الأسباب التي تحصل بها لذات الدنيا، والأسباب التي تحصل بها لذات الآخرة، ممتنع غير ممكن، والله ﷿ مكن الإنسان من تحصيل أيهما شاء أو أراد، فمن اشتغل بتحصيل أحدهما فلابد أن يفوت الآخر، والعاقل يقدم العمل للآخرة على العمل للدنيا، ويؤثر الباقية على الفانية: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩]
وقال ﷿: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤].