ولقد تحقق الدين الحق على يد رسوله ﷺ فترةً طويلةً من الزمان، وكان دين الحق أظهر وأغلب، وأظهره الله على الدين كله، وكانت الأديان التي لا تخلص فيها الدينونة لله، تخاف منه وترجف.
ثم تخلى أصحاب دين الحق عنه خطوة خطوة، بما أهملوه من أوامره، وبفعل ما نهى الله عنه، وبفعل الحرب الطويلة المدى، المنوعة الأساليب، التي يشنها عليه أعداؤه، من الكفار وأهل الكتاب سواء، ولكن هذه ليست نهاية المطاف، ووعد الله قائم ينتظر العصبة المسلمة التي تحمل راية الإسلام، وتمضي مبتدئة بما بدأ منه رسول الله ﷺ وأصحابه كما قال ﷺ:«بَدَأ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». أخرجه مسلم (١).
وقال النبي ﷺ:«لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي قَائِمَةً بِأمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهمْ أمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذلِك». متفقٌ عليه (٢).
والقرآن في جداله مع أهل الكتاب، يبين أن ما بأيديهم من الكتب لم يكن هو الكتاب الذي أنزله الله على أنبيائهم.
فمرة قال عنهم: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤].
والذين لم ينسوه كتموه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦].
والذي لم يكتموه حرفوه كما قال سبحانه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
(١) أخرجه مسلم برقم: (٢٣٢/ ١٤٥). (٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٧٣١٢)، مسلم برقم: (١٧٤/ ١٠٣٧)، واللفظ له.