ويعرفون حق المعرفة أن الأرض لا تسعهم، وتسع أهل هذا الدين، إنهم يعرفون ما فيه من حق، ويعرفون ما هم فيه من باطل، ويعرفون أن هذا الدين لا يمكن أن يهادن الجاهلية التي صاروا إليها.
ويعرفون جيداً أن هذا الدين لا يمكن أن يستعلي إلا على أنقاض الجاهلية التي هم عليها، ولا يمكن أن يكون الدين كله لله، حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
وهم يعلمون كل ذلك، ويدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة، وينقِّبون عن أسرار قوته، وعن مداخله إلى النفوس، ويبحثون بجد كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين؟
قال الله تعالى:: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ [المنافقون: ٤].
وكيف يلقون بالريب والشبه والشكوك في قلوب أهله؟ وكيف يحرفون الكلم عن مواضعه؟ وكيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به؟ وكيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل، وتكسر الجاهلية، وتسترد سلطان الله في الأرض، وتطارد أعداءه، وتجعل الدين كله لله، إلى حركة ثقافية باردة، وإلى بحوث نظرية ميتة، وإلى جدل فقهي، أو طائفي فارغ، وإلى مسابقات وألغاز؟.
وكيف يفرغون مفهوماته وقواعده وأصوله في أنظمة وتصورات غريبة عنه، مدمرةً له، مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة؟
إنهم يدرسون هذا الدين دراسة عميقة فاحصة، لا لأنهم يبحثون عن الحقيقة، ولا لينصفوا هذا الدين كلاّ.