فأما الثبات عند لقاء العدو، فهو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه، وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠].
فلا يليق بالمؤمنين أن يفروا، وقد وعدهم الله إحدى الحسنيين:
النصر أو الشهادة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ [التوبة: ٥٢]
فالثبات في ميدان القتال أمام الكفار فيه نصرةٌ لدين الله، وقوةُ لقلوب المؤمنين، وإرهابٌ للكافرين، والفرار من غير عذر من أكبر الكبائر، يوجب غضب الله، ودخول النار، لما فيه من خذلان الدين، وتقوية قلوب الكافرين، وإحباط نفوس المؤمنين، ولهذا حذر الله منه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
وأما ذكر الله كثيرًا عند لقاء الأعداء، فهو التوجيه الدائم للمؤمن، وهو يؤدي وظائف شتى في ميدان الجهاد، إنه الاتصال بالقوي القادر القاهر الذي لا يُغلب، والقدير الذي لا يعجزه شيء، والثقة بالناصر الذي ينصر أولياءه.