والعاصم من كل ذلك التسليم المحض للوحي، وكذلك الإعراض عن الاعتراض على أفعال الله وقضائه وقدره، وهذا اعتراض الجهال، وهو سائرٌ في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم.
وكل نفس معترضة على قدر الله، وقسمته، وأفعاله، فهي هالكة، إلا نفسًا قد اطمأنت إلى الله، وعرفته حق المعرفة، فتلك حظها التسليم والانقياد والرضا كل الرضا: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
الثالثة: شهود سبق الحق تعالى لكل ما سواه، وأنه كان ولم يكن شيء غيره البتة، وكل ما سواه كائن بتكوينه، مخلوق بخلقه، وكل ما يظهر في الأبد هو عين ما كان معلومًا في الأزل، وإنما تجددت أوقات ظهوره: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
ومراقبة الإخلاص في كل حال، ومراقبة مواقع رضا الرب ومساخطه في كل حركة، والفناء عما يسخطه، بما يُحب سبحانه، فيفنى عن مراده من ربه، مهما علا، بمراد ربه منه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].