للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سُبْحَانَهُ وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كما وضع الهداية والنصر في موضعه اللائق به، فالله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته.

فأفعاله سُبْحَانَهُ كلها حق وعدل، وسداد وصواب، ورحمة وإحسان، والله سُبْحَانَهُ قد أوضح السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة، بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله، ووفق ﷿ من شاء بمزيد عناية، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله وإحسانه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)[الحديد: ٢١].

وخذل سُبْحَانَهُ من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سُبْحَانَهُ من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله، إما جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدوه عليه في الطاعة، وتناسي ذكر الله وشكره، فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].

وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)[الأنعام: ٥٣].

وإما أن لا يشاء الله له الهداية ابتداءً، لعلمه منه سُبْحَانَهُ أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكر الله عليها، ولا يثني عليه بها، ولا يحبها، فلا يشاءها له لعدم صلاحية محله لها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)[الأنفال: ٢٣].

فإذا قضى الله ﷿ على هذه النفوس بالضلال والمعصية، كان ذلك محض العدل، كما قضى على الحية والعقرب بأن تُقتل، وذلك محض الإحسان والعدل، وإن كان مخلوقًا على هذه الصفة لحكمة يعلمها الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>