على جميع خلقه، حيث أنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول التي يعرفون بها ربهم، وما شرعه لهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
ومع هذا فلو شاء سبحانه لهدى الخلق أجمعين إلى إتباع شريعته، كما خلقهم أجمعين، وكما فطر جميع الكائنات على معرفته وعبادته، لكنه سبحانه يمن على من يشاء فيهديه فضلًا منه وإحسانا، ويحرم من يشاء، لأنه متفضل، له أن يتفضل وله ألا يتفضل، فترك تفضله على من حرمه، وذلك عدل منه وقسط، وله في ذلك حكمة بالغة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والقضاء والقدر كالإسلام والإيمان، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا وشمل كل واحد معنى الأخر وحكمه.
فإذا اجتمع القضاء والقدر في الذكر افترقا في المعنى، فأصبح لكل منهما معنى يخصه، فيراد بالقدر علم الله السابق به، والكتابة لذلك العلم، ويراد بالقضاء مشيئة الله لذلك وخلقه أي تنفيذ ما قدره الله والفراغ منه، وإذا افترقا فذُكر أحدهما دون الآخر، دل على معناه ومعنى الأخر.
فالقدر: سابق للقضاء.
والقضاء: هو تنفيذ القدر والفراغ منه.
والله سبحانه له الخلق والأمر في الكون كله، كما قال سبحانه: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].