بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِدُونِ الثَّلَاثَةِ الْأَحْجَارِ
١٠٤ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «قِيلَ لِسَلْمَانَ: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِدُونِ الثَّلَاثَةِ الْأَحْجَارِ]
أَمَّا الِاسْتِقْبَالُ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ نَهْيِ الْمُتَخَلِّي عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ الْجَمَاهِيرُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَأَدَبٍ لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ حَرَامٌ، قَالَ: وَأَشَارَ إلَى تَحْرِيمِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى إشَارَتِهِمْ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا لِعُذْرٍ فَإِذَا أَسْتَنْجَى بِمَاءٍ صَبَّهُ بِالْيُمْنَى وَمَسَحَ بِالْيُسْرَى، وَإِذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ فَإِنْ كَانَ فِي الدُّبُرِ مَسَحَ بِيَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُبُلِ وَأَمْكَنَهُ وَضْعُ الْحَجَرِ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِحَيْثُ يَتَأَتَّى مَسْحُهُ أَمْسَكَ الذَّكَرَ بِيَسَارِهِ وَمَسَحَهُ عَلَى الْحَجَرِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَاضْطُرَّ إلَى حَمْلِ الْحَجَرِ حَمَلَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمْسَكَ الذَّكَرَ بِيَسَارِهِ وَمَسَحَ بِهَا، وَلَا يُحَرِّكُ الْيُمْنَى هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَأْخُذُ الْحَجَرَ بِيَسَارِهِ، وَالذَّكَرَ بِيَمِينِهِ وَيَمْسَحُ وَيُحَرِّكُ الْيُسْرَى، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ يَمَسُّ الذَّكَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ثُمَّ إنَّ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ تَنْبِيهًا عَلَى إكْرَامِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَإِذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي أَحَدِهِمَا اسْتَعْمَلَهَا قَاضِي الْحَاجَةِ فِي أَخَفِّ الْأَمْرَيْنِ فِي نَظَرِهِ.
وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ نَهْيِ الْمُتَخَلِّي عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ طَرَفًا مِنْ فِقْهِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: إنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالْحَجَرِ مُتَعَيَّنٌ لِنَصِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْحَجَرَ لَيْسَ مُتَعَيَّنًا، بَلْ تَقُومُ الْخِرْقَةُ وَالْخَشَبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَقَامَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} [الأنعام: ١٥١] .
وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ الْحَجَرِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعَظْمِ وَالْبَعْرِ وَالرَّجِيعِ وَلَوْ كَانَ مُتَعَيَّنًا لَنَهَى عَمَّا سِوَاهُ مُطْلَقًا، وَعَلَى الْجُمْلَةِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ لَلْعَيْنِ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.