. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا عَلِمَ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَالثَّانِي: لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ فِيهِ سَفَرٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ غَيْرُهُمَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: هُوَ بِالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحُكِيَ فِيهِ الْقَصْرُ، وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ اسْمٌ إسْلَامِيٌّ وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَدَّ ذَلِكَ ابْنُ دِحْيَةَ بِأَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ حَكَى أَنَّهُ سَمِعَ فِي كَلَامِهِمْ خَابُورَاءُ، كَذَا فِي الْفَتْحِ. وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ: " إنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَصُومُونَهُ " وَلَكِنَّ صَوْمَهُمْ لَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مُسَمًّى عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ الِاسْمِ قَالَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الشَّرْعِ فِي تَعْيِينِهِ فَقَالَ الْأَكْثَرُ: هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَاشُورَاءُ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ، وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إلَيْهَا، فَإِذَا قِيلَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنْ الصِّفَةِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَامْتَنَعُوا عَنْ الْمَوْصُوفِ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ، فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ. وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فَاعُولَاءُ إلَّا هَذَا، وَضَارُورَاءُ وَسَارُورَاءُ وَذَالُولَاءُ مِنْ الضَّارِّ وَالسَّارِّ وَالذَّالِّ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ عَاشُورَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَقِيلَ: هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْيَوْمُ مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْآتِيَةِ. وَقِيلَ إنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ التَّاسِعِ عَاشُورَاءَ أَخْذًا مِنْ أَوْرَادِ الْإِبِلِ كَانُوا إذَا رَعَوْا الْإِبِلَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَوْرَدُوهَا فِي التَّاسِعِ قَالُوا: وَرَدْنَا عِشْرًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ: «انْتَهَيْت إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ، فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَالَ: إذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، فَقُلْتُ: أَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ» وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ هُوَ التَّاسِعُ انْتَهَى كَلَامُ الْفَتْحِ. وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْوِي الصِّيَامَ فِي اللَّيْلَةِ الْمُتَعَقِّبَةِ لِلتَّاسِعِ، وَقَوَّاهُ الْحَافِظُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ الْمُقْبِلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا التَّاسِعَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ» ، قَالَ: فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ وَهَمَّ بِصَوْمِ التَّاسِعِ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَأَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْشَدَ السَّائِلَ لَهُ إلَى الْيَوْمِ الَّذِي يُصَامُ فِيهِ وَهُوَ التَّاسِعُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِتَعْيِينِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَنَّهُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسْأَلُ عَنْهُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ فَائِدَةٌ، فَابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا فَهِمَ مِنْ السَّائِلِ أَنَّ مَقْصُودَهُ تَعْيِينُ الْيَوْمِ الَّذِي يُصَامُ فِيهِ أَجَابَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ التَّاسِعُ. وَقَوْلُهُ: " نَعَمْ " بَعْدَ قَوْلِ السَّائِلِ: " أَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ؟ " بِمَعْنَى نَعَمْ هَكَذَا كَانَ يَصُومُ لَوْ بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ قَبْلَ صَوْمِ التَّاسِعِ. وَتَأْوِيلُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لِأَنَّ قَوْلَهُ " وَأَصْبَحَ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا لَا يَحْتَمِلُهُ "
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.