هذا على أنه كان من الناس بمعزل، ومن الدنيا كلها في جوف منزل، إلا أن الله نور بصره، وسدد رأيه ونصره، فما جاز عليه زيف التدليس، ولا قابله طيف الباطل إلا تحت راية التنكيس، كل هذا إلى استعادة جهات أوقاف تملكت، وعمارة مواضع بر (١) استهلكت، والنظر في عامة المصالح، مع إصلاح طرق المسلمين، والضرب على أيدي الظّلمة المتحكّمين، وقول الحقّ وإن كان مرا، والوقوف معه نفع زيدا أو ضرّ عمرا.
وحجّ مرات، آخرها وقد تألّبت عليه عصب لم ترد إلا أن تغطي عليه، وقد جنحت شمسه، وأشرفت على الفراق نفسه، فلما أتى المدينة الشريفة مات ودفن في البقيع، وجاور سماء تلك الأنجم أهل ذلك الرقيع (٢).
وكان قبل تلك حجّ مرة، فمات له صاحب في مرجعه، فحمل من مكة المعظمة، حتى دفن في تلك المقبرة، وحضر هو جنازته، فبقي يقلب تراب قبره بيده، ويقول: طوبى لك، وينافسه عليه، ثم قال: تمنيت أن يكون قبري إلى جانبه، وكان في السنة الآتية ما تمنى، ونال سروره إذ قبر هناك طاب وتهنّا.
وحكي أنه لما حفر قبره ليدفن فيه، وتكون في قيد تلك الأذرع شمسه، إن أمكن، وجدت نصيبة (٣) قبر من قديم مكتوب عليها هذا البيت:
إذا كان قبري في البقيع بطيبة … فلا شكّ أني في حمى صاحب القبر
فهنيئا له ما سنح به الفال، وما سيمنح من تحية ركائب إلى ذلك الحمى زائرين، وقفّال (٤).
(١) كذا أو لعله من اللفظة بور أي خالية. (٢) قال في النهاية: كل سماء يقال لها رقيع، والجمع أرقعة. وقيل الرقيع اسم سماء الدنيا. (٣) مؤنث نصب. العلم والشاهد. (٤) أي: راجعين.