"كان أبو المغيرة هذا ظبة الحسام (٣)، وواسطة النظام، وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان، حلّ من زهر الفضائل، محلّ السنان من العامل، والزبرقان (٤) من المنازل، [وتمّت به غرر المحامد، تمام الصّلات بالعوائد، ومجهول اللغة بمعلوم الشواهد]، ودولة عبد الرحمن بن هشام المستظهر كانت مهبّه الذي منه عصف، ومجاله الذي فيه تصرّف، ألقى إليه زمامه، وأخدمه أيامه، ثم عتب عليه في بعض الأمر، فلحق ببلاد الثغر، فتسحّب على الرمل، تسحّب الهوى على العذل، وامتزج بملوك العصر امتزاج الماء بالخمر، ولو طال مداه لم يذكر معه سواه، ولا اعترف بتفضيله أحبته وعداه.
قال أبو مروان:
"وكتب عن عدة من الأمراء، ونال حظا عريضا من دنياهم، إلا أنه اعتبط شابا بعد أن ألّف عدّة تواليف، وجرت بينه وبين ابن عمه الفقيه أبي محمد بن حزم هنات، ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكّته (٥) حتى أسكته، لأنه كان أنبه منه في حضور شاهده، وذكاء خاطره.
وكان في زمانه في الجدّ والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء، مستفخذا للبيضاء، ممتطيا للشقراء، وتصوّر في قلوب الرؤساء فأجزلوا أرزاقه، وأعظموا صلاته ".
(١) الصّمصام والصّمصامة: السيف الصارم الذي لا ينثني. (٢) الذخيرة ج ١ ق ١/ ١٣٢. (٣) الظّبة، كثبة: حدّ سيف أو سنان ونحوه. (٤) الزبرقان، بالكسر: القمر. (٥) التّبكيت: التّقريع والتّوبيخ.