لَافْتَرَقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ قَولًا!
وَلَقَدْ ذَكَرَ بَعْض عُلَمَائِهِمُ المَشَاهِيرُ عِنْدَهُمْ -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ بِطْرِيق؛ بَتْركُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ- فِي حُدُودِ سَنَةِ أَرْبَعمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا المَجْمَعَ الكَبِيرَ الَّذِي عَقَدُوا فِيهِ الأَمَانَةَ الكَبِيرَةَ الَّتِي لَهُمْ -وَإِنَّمَا هِيَ الخِيَانَةُ الحَقِيرَةُ الصَّغِيرَةُ-، وَذَلِكَ فِي أَيَّام قُسْطَنْطِين -بَانِي المَدِينَةِ المَشْهُورَةِ- وَأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا عَلَيهِ اخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَنْحَصِرُ، فَكَانُوا أَزْيَدَ مِنْ أَلْفَينِ أُسْقُفًا، فَكَانُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً، كُلُّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ عَلَى مَقَالَةٍ، وَعِشْرُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَمِائَةٍ عَلَى مَقَالَةٍ، وَسَبْعُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَأَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْقَصَ، فَلَمَّا رَأَى مِنْهُمْ عِصَابَةً قَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثِمَائَةِ بِثِمَانِيَةَ عَشَرَ نَفَرًا -وَقَدْ تَوَافَقُوا عَلَى مَقَالَةٍ- فَأَخَذَهَا المَلِكُ وَنَصَرَهَا وَأَيَّدَهَا -وَكَانَ فَيلَسُوفًا دَاهِيَةً- وَمَحَقَ مَا عَدَاهَا مِنَ الأَقْوَال" (١).
- حَدِيثُ: ((إِيَّاكُمْ وَالغُلُوّ)) تَمَامُهُ هُوَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -غَدَاةَ العَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ-: ((هَاتِ اُلْقُطْ لِي)). فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ -هُنَّ حَصَى الخَذْفِ-، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ)).
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المَشْرُوعِ وَمُجَاوَزَةَ الحَدِّ يَكُونُ غُلُوًّا، وَأَنَّ الأَصْلَ هُوَ الْتِزَامُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هُود: ١١٢]، فَأَمَرَ بِلُزُومِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ دُونَ أَنْ يَتَجَاوَزُوا ذَلِكَ (٢).
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٤٧٩).(٢) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢٠٣): " ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ لَا تَجَاوَزُوا أَمْرِي وَلَا تَعْصُونِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَلَا تَغْلُوا فَتَزِيدُوا عَلَى مَا أَمَرْتُ وَنَهَيتُ".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.