- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: إِنَّ النُّصُوصَ السَّابِقَةَ دَلَّتْ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ حَمَلَهَا بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى الكَرَاهَةِ؛ كَالشَّافِعِيِّ ﵀ حَيثُ قَالَ: "وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَلَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا: مَخَافَةَ الفِتْنَةِ عَلَيهِ وَالضَّلَالِ وَعَلَى مَنْ بَعْدِهُ مِنَ النَّاسِ! " (١)، فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ القَولَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ عَلَى المَعْنَى الاصْطِلَاحِيِّ لِلكَرَاهَةِ -أَي: الَّذِي لَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ، وَيُثَابُ تَارِكُهُ للهِ- غَيرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ وَأَشَدِّ التَّحْرِيمِ، وَدَلَّتْ لِذَلِكَ أَلْفَاظُ الحَدِيثِ وَفِيهِ: (اللَّعْنُ، شِرَارُ النَّاسِ) فَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الكَبَائِرِ كَمَا لَا يَخْفَى.
٢ - إِنَّ العُلَمَاءَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِالكَرَاهَةِ إنَّمَا قَصَدُوا التَّحْرِيمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَلْفَاظَ السَّلَفِ هِيَ أَلْفَاظُ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ -اللَّهُمَّ إِلَّا لِقَرِينَةٍ يَدُلُّ عَلَيهَا السِّيَاقُ-، وَأَمَّا الكَرَاهَةُ عِنْدَنَا -اليَومَ- فَهَذِهِ كَرَاهَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيهَا المُتَأَخِّرُونَ لِلتَّفْرِيقِ فِي النَّهْي بَينَ مَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ وَمَا لَا يَأْثَمُ، وَلَو رُحْتَ تَسْتَعْرِضُ نُصُوصَ القُرْآنِ فِي الكَرَاهَةِ لَتَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحُجُرَات: ٧] (٢).
=الشِّرْكُ الأَصْغَرُ)) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٣٦٣٠) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٩٥١).بَلْ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ ﷺ قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٥] فَهَلْ يُؤْمَنُ عَلَى غَيرِهِ؟! بَلْ أَقُولُ: لَا يَأْمَنُ الفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا مَفْتُونٌ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ المُوَفِّقُ، وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.(١) الأُمِّ (١/ ٣١٧) لِلشَّافِعِيِّ ﵀، بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ.(٢) قَالَ ابْنُ بَدْرَانَ -فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ حَنْبَلِيٌّ (ت ١٣٤٦ هـ) -: "فَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الكَرَاهَةَ فِي مَعْنَاهَا الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ فِي كَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَلَكِنَّ المُتَأَخِّرُونَ اصْطَلحُوا عَلَى تَخْصِيصِ الكَرَاهَةِ بِمَا لَيسَ بمُحَرَّمٍ وتَرْكُهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ". المَدْخَلُ إِلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (ص ١٣٠).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.