- قَولُهُ: (وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ): هَذَا الذَّمُّ لَا يَعْنِي تَرْكَ شُكْرِ النَّاسِ عَلَى مَا أَسْدَوهُ مِنْ مَعْرُوفٍ! وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: ((لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ)) (١)، وَإِنَّمَا المَعْنَى النَّهْيُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِهِم فِي ذَلِكَ، وَالغَفْلَةُ عَنِ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ مُسَبِّبُ تِلْكَ النِّعْمَةِ حَقِيقَةً.
- فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِثْبَاتُ صِفَتَيِّ الرِّضَى وَالسَّخَطِ للهِ تَعَالَى -خِلَافًا لِلمُعَطِّلَةِ-، وَذَلِكَ لِزَعْمِهِم أَنَّ الغَضَبَ هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ لِطَلَبِ الانْتِقَامِ؛ وَأَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى! وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهم شَبَّهُوا -فِي أَذْهَانِهِم- سَخَطَ اللهِ أَو غَضَبَهُ بِغَضَبِ المَخْلُوقِ؛ وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَكَذَلِكَ غَضَبُهُ يَلِيقُ بِهِ.
وَالعَجَبُ مِنَ المُعَطِّلَةِ أَنَّهُم أَثْبَتوا بَعْضَ الصِّفَاتِ كَالإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ وَلَمْ يَجْعَلُوهَا دَالَّةً عَلَى التَّمْثِيلِ بِالمَخْلُوقِ؛ مَعَ أَنَّهُ أَيضًا يُقَالُ لَهُم: الإِرَادَةُ -وَهِيَ مَيلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ- إِنَّ الرَّبَّ ﷿ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ!! مُجَارَاةً لَهُم عَلَى قَاعِدَتِهِم، فَإِذَا قَالُوا: هَذِهِ إِرَادَةُ المَخْلُوقِ؛ نَقُولُ: وَالغَضَبُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ هُوَ غَضَبُ المَخْلُوقِ أَيضًا.
وَلَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ جِنَايَةٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا تُبْطِلُ ظَوَاهِرَ نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ، بَلْ هِيَ تَتَضَمَّنُ طَعْنًا فِي الرَّسُولِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، لِأَنَّنَا نَقُولُ: هَذِهِ المَعَانِي الَّتِي صَرَفْتُم النُّصُوصُ إِلَيهَا؛ هَلِ الرَّسُولُ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ يَعْلَمُونَهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يَعْلَمُونَ؛ فَقَدْ اتَّهَمُوهُم بِالقُصُورِ فِي الفَهْمِ! وَإِنْ قَالُوا: يَعْلَمُونَهَا وَلَمْ يُبَيِّنُوهَا لَنَا؛ فَقَدِ اتَّهَمُوهُم بِالتَّقْصِيرِ فِي التَّأْدِيَةِ! وَكِلَاهُمَا شَنِيعٌ (٢).
(١) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٢١٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٤١٦).(٢) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٨٢).وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ (مَا جَاءَ فِي أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ) ذِكْرُ مَسْأَلَةٍ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الغَضَبِ للهِ تَعَالَى.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.