- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِالمَكْرِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ مَذْمُومٌ؟
الجَوَابُ:
إِنَّ المَكْرَ فِي مَحَلِّهِ المَمْدُوحِ مَمْدُوحٌ؛ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ المَاكِرِ وَأَنَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَا يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ!
فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: إنَّ اللهَ مَاكِرٌ! وَإنَّمَا تُذْكَرُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي مَقَامٍ يَكُونُ فِيهِ مَدْحًا، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُنْفى عَنْهُ أَيضًا عَلَى سَبِيلِ الإِطْلَاقِ؛ وَلَكِنْ يُوصَفُ بِهَا اللهُ تَعَالَى فِي المَوضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ مَدْحًا، فَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللهُ بِهَا؛ فَلَا يُقَالُ: إنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ المَاكِرُ (١)!
قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ رَشِيد رِضَا ﵀: "وَالغَالِبُ فِي عَادَاتِ البَشَرِ أَنْ يَكُونَ المَكْرُ فِيمَا يَسُوءُ وَيُذَمُّ مِن الكَذِبِ وَالحِيَلِ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ المُفَسِّرُونَ مَا أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ؛ فَقَالُوا فِي مِثْلِ هَاتَينِ الآيتَينِ -آيَةِ الأَنْفَالِ وَآيَةِ آلِ عِمْرَانَ-: إِنَّهُ أُسْنِدَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ بِتَسْمِيَةِ تَخْيِيبِ سَعْيِهِم فِي مَكْرِهِم أَوْ مُجَازَاتِهِم عَلَيهِ بِاسْمِهِ.
وَالحَقُّ أَنَّ المَكْرَ مِنْهُ الخَيرُ وَالشَّرُّ، وَالحَسَنُ وَالسَّيِّءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] " (٢).
وَتَأَمَّلْ كَيفَ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِأَنَّهُ خَيرُ مَنْ مَكَرَ، حَيثُ دَفَعَ سُبْحَانَهُ كُلَّ شُبْهَةِ سُوءِ فَهْمٍ عَنْ مَكْرِهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ
(١) وَذَلِكَ لِأَنَّ الاسْمِ يُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ دُونَ التَّفْصِيلَ، وَأَيضًا لِأَنَّ الأَسْمَاءَ تَوقِيفِيَّةٌ.(٢) تَفْسِيرُ المَنَارِ (٩/ ٥٤١).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.