الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلبَابِ السَّابِقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ العَامِلَ فِيهِ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ العَاجِلَ -كَالرِّزْقِ وَالعَافِيَةِ وَالأَمَانِ وَالذُّرِّيَّةِ-؛ وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلبَابِ السَّابِقِ فِي أَنَّ العَامِلَ هُنَا عَمَلُهُ هُوَ لِوَجْهِ اللهِ وَلَيسَ رِيَاءً، وَأَمَّا البَابُ السَّابِقُ فَعَمَلُهُ هُوَ لِمُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَاشْتَرَكوا فِي كَونِ الغَايَةِ من عَمَلِهِم هِيَ المَصْلَحَةُ العَاجِلَةُ فَقَط.
قُلْتُ: وَأَيضًا يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَنَّ العَمَلَ هُنَاكَ حَابِطٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ مِنَ اللهِ -لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ-، أَمَّا هُنَا؛ فَقَدْ يُثَابُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا.
- مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِلأَجْرِ العَاجِلِ وَالثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ ولَا يَرْجُو الآخِرَةِ أَبَدًا؛ فَهَذَا هُوَ الكَافِرُ الكُفْرَ الأَكْبَرَ (١)، وَسَبَبُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ إِيمَانِهِ بِاليَومِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ فِيهِ الجَزَاءَ وَالثَّوَابَ وَالجنَّةَ وَالنَّارَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ أَصْلَ التَّوحِيدِ، وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ الكُفْرِ حتَّى يَدَعَهَا (٢)، وَهُوَ بِذَلِكَ يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، فَهُوَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ نَفْعًا فِي الدُّنْيَا فَقَطْ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ (٣).
(١) وَكَذَلِكَ فِي البَابِ السَّابِقِ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِغَيرِ اللهِ؛ فَهَذَا هُوَ المُنَافِقُ الأَصْلِيُّ، وَكَمَا سَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُ أَنَّ الرِّيَاءَ نَوعَانِ: رِيَاءُ المُنَافِقِ، وَرِيَاءُ المُسْلِم.(٢) كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ المُنَافِقِ الخَالِصِ -كَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالغَدْرِ وَالفُجُورِ-.(٣) قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (ص ٣٧٨): "يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ أَي: كُلُّ إِرَادَتِهِ مَقْصُورةٌ عَلَى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَعَلَى زِينَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ، قَدْ صَرَفَ رَغْبَتَهُ وَسَعْيَهُ وَعَمَلَهُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاء وَلَمْ يَجْعَلْ لِدَارِ القَرَارِ مِنْ إِرَادَتِهِ شَيئًا! فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا كَافِرًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُؤْمِنًا لَكَانَ مَا مَعَهُ مِنَ الإِيمَانِ يَمْنَعُهُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ إِرَادَتِهِ لِلدَّارِ الدُّنْيَا، بَلْ نَفْسُ إيِمَانِهِ وَمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الأَعْمَالِ أَثَرٌ=
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.