تَبَايُنًا فِي الذّاتِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا تَبَايُنٌ فِي الصِّفَاتِ، وَأَيضًا أَنَّنَا نُشَاهِدُ فِي المَخْلُوقَاتِ مَا يَتَّفِقُ فِي الأَسْمَاءِ وَيَخْتَلِفُ فِي الحَقِيقَةِ وَالكَيفِيَّةِ، فَنُشَاهِدُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ يَدًا لَيسَتْ كَيَدِ الفِيلِ، وَلَهُ قُوَّةً لَيسَتْ كَقُوَّةِ الجَمَلِ، مَعَ الاتِّفَاقِ فِي الاسْمِ، فَهَذِهِ يَدٌ وَهَذِهِ يَدٌ، وَهَذِهِ قُوَّةٌ وَهَذِهِ قُوَّةٌ، وَبَينَهُمَا تَبَايُنٌ فِي الكَيفِيَّةِ وَالوَصْفِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الاتّفاقَ فِي الاسْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الاتِّفَاقُ فِي الحَقِيقَةِ.
وَالتَّشْبِيهُ هُوَ كَالتَّمْثِيلِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَينَهُمَا بِأَنَّ التَّمْثِيلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ، وَالتَّشْبِيهَ التَّسْوِيَةُ فِي أَكْثَرِ الصِّفَاتِ، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْي التَّمْثِيلِ أَولَى لِمُوَافَقَةِ القُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١] (١).
وَأَمَّا التَّكْيِيفُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ المُثْبِتُ أَنَّ كَيفِيَّةَ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا! وَهَذَا اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ.
أَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَه: ١١٠]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٣٦]، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَنَا بِكَيفِيَّةِ صِفَاتِ رَبِّنَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا عَنْهَا وَلَمْ يُخْبِرْنَا عَنْ كَيفِيَّتِهَا، فَيَكُونُ تَكْيِيفُنَا لَهَا قَفْوًا لِمَا لَيسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَقولًا بِمَا لَا يُمْكِنُنَا الإِحَاطةُ بِهِ.
(١) وَلِأَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ مُطْلَقًا بَينَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ غَيرُ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الاشْتِرَاكِ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ، كَصِفَةِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالعِلْمِ وَالحَيَاةِ وَالقُدْرَةِ، وَلَكِنَّ الكَمَالَ فِيهَا هُوَ للهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠]. يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ العُثَيمِين لِسُورَةِ الشُّورَى (ص ١١٣).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.