ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَهْلِ التَّعْطِيلِ مَنْ طَرَّدَ قَاعِدَتَهُ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، أَو تَعَدَّى إِلَى الأَسْمَاءِ أَيضًا، وَمِنْهُم مَنْ تَنَاقَضَ فَأَثْبَتَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْض كَالأَشْعَرِيَّةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ؛ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتُوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيهِ، وَنَفَوا مَا نَفَوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ يَنْفِيهِ أَو لَا يَدُلُّ عَلَيهِ.
فَنَقُولُ لَهُم: نَفْيُكُم لِمَا نَفَيتُمُوهُ بِحُجَّةِ أَنَّ العَقْلَ لَا يَدُلُّ عَلَيهِ؛ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالطَّرِيقِ العَقْلِيِّ الَّذِي أَثْبَتُّمْ بِهِ مَا أَثْبَتُّمُوهُ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُم أَثْبَتُوا صِفَةَ الإِرَادَةِ، وَنَفَوا صِفَةَ الرَّحْمَةِ، فَأَثْبَتُوا صِفَةَ الإِرَادَةِ لِدِلَالَةِ السَّمْعِ وَالعَقْلِ عَلَيهَا.
أَمَّا السَّمْعُ: فَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥)، وَأَمَّا العَقْلُ: فَإِنَّ اخْتِلَافَ المَخْلُوقَاتِ وَتَخْصِيصَ بَعْضِهَا بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ ذَاتٍ أَو وَصْفٍ دَلِيلٌ عَلَى الإِرَادَةِ.
وَنَفَوا الرَّحْمَةَ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ لِينَ الرَّاحِمِ وَرقَّتَهُ لِلمَرْحُومِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى (١)! وَأَوَّلُوا الأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ المُثْبِتَةَ لِلرَّحْمَةِ إِلَى الفِعْلِ أَو إِرَادَةِ الفِعْلِ،
=وَغَيرِهِمْ مِنْ أَئِمَّة المُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ وَهُوَ إِمْرَارهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَير تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. وَالظَّاهِرُ المُتَبَادِرُ إِلَى أَذْهَانِ المُشَبِّهِينَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، بَلِ الأَمْرُ كَمَا قَالَ الأَئِمَّةُ مِنْهُمْ نُعَيمُ بْنُ حَمَّادٍ الخُزَاعِيُّ -شَيخُ البُخَارِيِّ- قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ الله بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيسَ فِيمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهٌ، فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الآيَاتُ الصَّرِيحَةُ وَالأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَنَفَى عَنِ اللهِ تَعَالَى النَّقَائِصَ؛ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الهُدَى".(١) كَمَا قَالَ الشَّيخُ ابْنُ دَقِيق العِيد (ت ٧٠٢ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وغَفَرَ لَهُ -فِي شَرْحِ البَسْمَلَةِ مِنْ مُقَدِّمَةِ=
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.