٣ - أَمَّا العَقْلُ: فَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ صِفَةِ الكَمَالِ للهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقْصِ، وَالعُلُوُّ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالسُّفْلُ نَقْصٌ، فَوَجَبَ للهِ تَعَالَى صِفَةُ العُلُوِّ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ ضِدِّهَا (١).
٤ - أَمَّا الفِطْرَةُ: فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى عُلُوِّ اللهِ تَعَالَى دِلَالَةً ضَرُورِيَّةً فِطْرِيَّةً؛ فَمَا مِنْ دَاعٍ أَو خَائِفٍ فَزِعَ إِلَى ربِّه تَعَالَى إِلَّا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ ضَرُورَةَ الاتِّجَاهِ نَحْوَ العُلُوِّ لَا يَلْتَفِتُ عَنْ ذَلِكَ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.
وَاسْأَلِ المُصَلِّينَ؛ يَقُولُ الوَاحِدُ مِنْهُم فِي سُجُودِهِ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)) فَاُنْظُرْ أَينَ تَتَّجِهُ قُلُوبُهُم حِينَذَاكَ؟ (٢) (٣)
(١) وَتَأَمَّلِ السُّفْلَ وَالأَسْفَلَ فِي النُّصُوصِ القُرْآنيِّةِ لِتَرَى بُرْهَانَ ذَلِكَ.(٢) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٨/ ٤٧٤) -عِنْدَ تَرْجَمَةِ إِمَامِ الحَرَمَينِ أَبِي المَعَالِي الجُوَينِيِّ-: "قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: حَضَرَ المُحَدِّثُ أَبُو جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيُّ فِي مَجْلِسَ وَعْظِ أَبِي المَعَالِي، فَقَالَ: كَانَ اللهُ وَلَا عَرْشَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: أَخْبِرْنَا يَا أَسْتَاذُ عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا، مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ: يَا اللهُ! إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ! وَلَا يَلتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً! فَكَيفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ أَنْفُسنَا؟ -أَو قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ دَوَاءٌ لِدَفْعِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجدُهَا؟ - فَقَالَ: يَا حَبِيبِي! مَا ثَمَّ إِلَّا الحَيرَةَ، وَلَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ، وَنَزَلَ، وَبَقِيَ وَقْتًا عَجِيب، وَقَالَ فِيمَا بَعْد: حَيَّرَنِي الهَمَذَانِيُّ".قُلْتُ: وَأمَّا مَا نقَلَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٥/ ٢٤) -عَنْ بَعْضِهِم عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ الجَارِيَةِ- قَولَهُ: "لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدَّاعِينَ، كَمَا أَنَّ الكَعْبَة قِبْلَةُ المُصَلِّينَ" مُرِيدًا بِذَلِكَ مُعَارَضَةَ الجَوَابِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ! فَهُوَ كَلَامٌ هَزِيلٌ مَرْدُودٌ، وَهُزَالَهُ يَأْتِي مِنْ إِخْرَاجِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ظَاهِرِهِ مَعَ أَنَّ المَقَامَ خَطِيرٌ جَلِيلٌ فِيهِ إِخْبَارٌ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى فِيمَا ظَاهِرُهُ كُفْرٌ عِنْدَهُم!! وَلَو تَسَامَحْنَا بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتَ فِي العَقِيدَةِ؛ فَمَاذَا يَسْلَمُ لَنَا مِنْ دِينِنَا؟ وَاللهُ المُوَفِّقُ وَهُوَ الهَادِي لِلصَّوَابِ.(٣) وَفِي كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٩/ ١٢٦)؛ قَالَ ﵀: "بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِأَخِيهِ: اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، يُقَالُ: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ المَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللهِ".قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٤٤٣): "وَمَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ عُلُوَّ اللهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ أَمْرٌ مَفْطُورٌ عَلَيهِ الخَلْقُ، وَمَعْلُومٌ بِالعَقْلِ، وَالوَحْيُ جَاءَ مُؤَيِّدًا لِذَلِكَ، وَمُوَضِّحًا لَهُ".قُلْتُ: وَكَانَ مِنْ أَيمَانِ العَرَبِ قَولُهُم: "لَا وَالَّذِي يَرَانِي مِنْ فَوقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ". أَفَادَهُ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١/ ٤٦٣)، وَعَزَاهُ هُنَاكَ إِلَى كِتَابِ (أَيمَانُ العَرَبِ) (ص ١٥) لِلنُّجِيرَمِيِّ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.