الشَّفَقَةُ عَلَى الوَلَدِ وَعَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا صَحِيحًا سَالِمًا لَا آفَةَ فِيهِ، فَدَعَوا ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيتَنَا﴾ (١) وَلَدًا ﴿صَالِحًا﴾ أَي: صَالِحَ الخِلْقَةِ تَامَّهَا (٢) لَا نَقْصَ فِيهِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ عَلَى وُفْقِ مَا طَلَبَا، وَتَمَّتْ عَلَيهِمَا النِّعْمَةُ فِيهِ ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أَي: جَعَلَا للهِ شُرَكَاءَ فِي ذَلِكَ الوَلَدِ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ بِإِيجَادِهِ وَالنِّعْمَةِ بِهِ، وَأَقرَّ بِهِ أَعْيُنَ وَالِدَيهِ؛ فَعَبَّدَاه لِغَيرِ اللهِ (٣)! إِمَّا أَنْ يُسَمِّيَاهُ بِعَبْدِ غَيرِ اللهِ كَـ (عَبْدِ الحَارِثِ) وَ (عَبْدِ العُزَيرِ) وَ (عَبْدِ الكَعْبَةِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَو يُشْرِكَا بِاللهِ فِي العِبَادَةِ (٤) بَعْدَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيهِمَا بِمَا مَنَّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا أَحَدٌ مِنَ العِبَادِ.
وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ النَّوعِ إِلَى الجِنْسِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ الكَلَامِ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الكَلَامِ فِي الجِنْسِ (٥)، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَوجُودٌ فِي الذُّرِّيَّةِ كَثِيرًا؛ فَلِذَلِكَ قَرَّرَهُمُ اللهُ
(١) قُلْتُ: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ بَيَانُ عِلَّةِ قُبْحِ الشِّرْكِ؛ أَنَّهُ إِشْرَاكٌ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مَعَ مَنْ يَمْلِكُ، وَلِمَنْ بِيَدِهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ مَعَ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؛ فَسُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.(٢) وَلَيسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ المَقْصُودُ أَيضًا مَعَهُ صَلَاحًا دِينِيًّا، ولَكِنَّ الأَوَّلَ أَولَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الوِلَادَةِ مُبَاشَرَةً؛ وَلَيسَ بَعْدَ النُّضْجِ.(٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ الإِيمَانِ (ص ٨٧) لِابْنِ سَلَّام ﵀: "وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا﴾ إِنَّمَا يَعُودَ إِلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. بِذَلِكَ فَسَّرَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَولَى مَا حُمِلَتْ عَلَيهِ الآيةُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنْ كَثيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ".(٤) وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التَّوبَة: ٧٥ - ٧٦].(٥) وَكَذَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ -تَحْتَ النَّوعِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ فِي بَيَانِ المَوصُولِ لَفْظًا؛ المَفْصُولَ مَعْنًى- فَقَالَ ﵀: "وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ تَغْيِيرُ الضَّمِيرِ إِلَى الْجَمْعِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ وَلَو كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ لَقَالَ عَمَّا يُشْرِكَانِ". الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (١/ ٣١٠).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.