للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا توحيد الربوبية، وهذا التوحيد أقر به المشركون ولم ينجهم من عذاب الله، لأنهم لم يحققوا توحيد الألوهية معه بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما جاءت به الرسل فتوحيد الربوبية لا يكفي إلا إذا كان مقرونًا بتوحيد العبادة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)[النحل: ٣٦].

لهذا لابد أن يكون الإنسان موحدًا لربه بقلبه ولسانه وعمله، فمن وحد الله ﷿ بقلبه، ولكنه لم يوحده بقوله أو عمله فهو غير صادق، لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل.

قال النبي : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (١).

فمن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، ففرعون قال أنا ربكم الأعلى، وإبليس امتنع عن السجود لأدم مخالفًا لأمر ربه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)[البقرة: ٣٤].

ومعرفة الحق دون العمل به أشد من الجهل بالحق، لأن الجاهل بالحق معذور حتى يعرفه، بخلاف المعاند المستكبر ولهذا كان اليهود مغضوب عليهم، لأنهم عرفوا الحق وتركوه، والنصارى ضالون لأنهم لم يعرفوا الحق، وضلوا عنه، لكن بعد بعثة الرسول عرف النصارى الحق وكفروا بمحمد فصاروا كاليهود مغضوبًا عليهم.


(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٥٢)، واللفظ له، ومسلم برقم: (١٥٩٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>