فلا يثبت القرآن في الصدر ولا يسهل حفظه ولا يتيسر فهمه إلا القيام به في الليل، فأي أمر تريد تثبيته في الذاكرة وحفظه فليكن في هذا الوقت: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦].
وقيام الليل سنة الأنبياء والمرسلين، ودأب الأتقياء والصالحين، وبه يجتمع لهم خير الدنيا والآخرة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
إن قراءة القرآن في صلاة الليل في التهجد يحصل معها الصفاء والهدوء حسن الفهم وقوة التدبر، حيث لا أصوات تشغل الأذن ولا صور تشغل العين فيحصل للقارئ والمصلي صفاء التركيز الذي يؤدي إلى وصول معاني القرآن في القلب.
ولهذا كانت مدارسة جبريل للنبي ﷺ للقرآن في كل ليلة من رمضان؛ لأن الليل فيه السكون والهدوء، أما النهار فهو مظنة الشواغل والملهيات والحاجات والأصوات فلا يصفوا الذهن لتدبر القرآن وفهم معانيه التي هي المقصودة من القيام به.
ولهذا كانت صلاة الليل والوتر من السنن المؤكدة، لما في ذلك الوقت من الهدوء والنزول الإلهي، وفتح أبواب السماء والبعد عن الرياء وفراغ الذهن من الشواغل، وكان النبي ﷺ يقوم الليل بثلاثة عشر ركعة أو إحدى عشرة ركعة، وهي الأكثر من فعله ﷺ.