وكما اختار الله ﷿ رسوله محمد ﷺ للعرب فقد اختار سبحانه العرب؛ ليكونوا هم أول من يتلقى هذه الدعوة، ثم يبلغوها إلى أنحاء العالم إلى يوم القيامة ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وفى اختيار الله للعرب ليكونوا أول من يتلقى الوحي حكمٌ بالغة، فقد كانوا أسلم الناس فطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا عسر عليهم الحق تركوه، وإذا التوى عليهم فهمه حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم آمنوا به، وأحبوه، واحتضنوه، واستماتوا في سبيله.
وهذا ما حصل، فقد كانوا شر البرية، ولما آمنوا بالحق صاروا خير البرية، وكانوا شر القرون، ولما آمنوا صاروا خير القرون، وكانت ألواح قلوبهم صافية لم تكتب فيها عقائد، وكتابات عميقة يصعب محوها، وإزالتها شأن الفرس والروم، وأهل الهند الذين كانوا يفتخرون بعلومهم، وآدابهم الراقية، والزاهية التي لم يكن من السهل حلها، وإبطالها.
أما العرب، فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خططها يد الجهل والبداوى، فانغمست في وديان الشهوات و الغفلات، وعميت عن الحق، فكان من السهل اليسير محو تلك العادات، وغسلها، ورسم صور ربانية مكانها، فأسرعوا في قبول الإسلام، فتغيرت حياتهم، وغيروا العالم، وفتحوا قلوب البشرية بالإيمان، والتقوى، والأخلاق الحسنة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ