والحج سفرٌ إلى الله، فالسفر هو قصد المكان، والحج حق الله وحده: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فالحاج يجب أن يحج ويعتمر لله وحده، ولا يلتفت لأي وسخ من أوساخ الدنيا وشهواتها، فالحاج يسافر إلى ربه بقلبه وقالبه، وماله ونفسه، ويُسلم قلبه وجوارحه كاملةً إلى مولاه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢]
الثامن عشر: والحج سفرٌ مزدوج الاتجاه:
الأول: سفرٌ بدني: من بلدٍ، إلى بلد ومن مشعر، إلى مشعر ومن مكانٍ إلى مكان، فهذا سفرٌ أرضيٌ أفقي راجلًا أو راكبًا.
والثاني سفرٌ علوي: عمودي سماوي قلبي إلى الله ورسوله توحيدًا وإتباعًا.
فالعبادات كلها انطلاقٌ من الأرض إلى السماء ومسارعةٌ إلى الخيرات، وخروجٌ من الخلق إلى الخالق، ومن الشهوات إلى امتثال أوامر الرب، والإكثار من ذكرهِ، وتكبيرهِ، وحمدهِ، وتسبيحه واستغفاره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وهذا السفر القلبي، لا يتم إلا بالسفر البدني، المُزين بالسنة، مع الصدق والإخلاص، والمحبة لله ولأوامِرِه، وليس كل من قطع المسافة الأرضية قطع المسافة السماوية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].