للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالعارف حقاً يسير إلى ربه بين شهود المنة من الله، ومطالعة عيب النفس والعمل، فشهود المنة يوجب له المحبة لربه سبحانه، وحمده والثنائه عليه، ومطالعة عيب النفس، والعمل، يوجب استغفاره، ودوام توبته، وتضرعه لربه.

وأصحاب هذا المشهد فيه قسمان:

أحدهما: من يشهد تسليط عدوه عليه، وإفساده إياه، وكبحه إياه بلجام الشهوة، فهو أسيرٌ معه، وهو مع ذلك ملتفت إلى ربه ومولاه، عالمٌ أن نجاته بيده سبحانه، وناصيته بيده، وأنه لو شاء طرده عنه، وخلصه من يديه، ولم يعبأ به.

فكلما قاده عدوه، كبحه بلجامه أكثر التفاته إلى وليه وناصره، وتضرع إليه، وفر إليه، وتذلل بين يديه، وكلما أراد البعد عن بابه تذكر عطفه وبره وإحسانه، وتذكر جوده وإحسانه، وكرمه وغناه، ورأفته ورحمته، وجلاله وجماله، فانجذبت دواعي هربه إليه، مترامية على بابه، منطرحةٌ بين يديه.

الثاني: فوق هذا مشهدٌ أجل منه وأعظم، ومثله كمثلٍ عبدٍ أخذه سيده بيده، وقدمه ليضرب عنقه، فأيقن العبد المسيء أنه قاتله، وقد علم العبد بره ولطفه، ورحمته ورأفته وكرمه، فهو يناشده بأوصافه، ويدخل عليه بها، فانقطع تعلقه بشيءٍ سواه، فهذا العبد معرضٌ عن عدوه الذي كان سببًا في غضب سيده عليه، مقصور النظر إلى سيده وهو في قبضته منتظرٌ منه ما يقتضيه عطفه وبره وكرمه وإحسانه ورحمته.

ومثل الأول كمثل عبدٍ أمسكه عدوه وهو يخنقه ليموت، وذلك العبد يشهد دنو عدوه منه، ويستغيب بسيده، وسيده يغيثه ويرحمه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي

<<  <  ج: ص:  >  >>